تهاني السيد لوران فابيوس لأعضاء السلك الدبلوماسي بمناسبة العام الجديد (باريس، 29 كانون الثاني/يناير 2016) [fr]

فيما يلي مقتطفات من خطاب التهاني الذي ألقاه السيد لوران فابيوس أمام أعضاء السلك الدبلوماسي بمناسبة حلول العام الجديد، في 29 كانون الثاني/يناير 2016.

JPEG

نظرة على عام 2015
كان عام 2015 كما نقول باللغة الدبلوماسية "عاما زاخرا بالتناقض". فمن جهة كان العام مأساويا فيما يخص الأمن والسلام مع موجة عارمة من أعمال العنف (...)، ومن الجهة الأخرى، كان عام أمل إذ حقّقنا إنجازين دبلوماسيين كليهما خدم السلام. فتوقيع اتفاق فيينا بشأن الملف النووي الإيراني في 14 تموز/يوليو، الذي جاء في الوقت المناسب، يبدّد خطر انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأدنى والشرق الأوسط، وسيبقى أحد أهم المساهمات التي تمت في السنوات الماضية سعيا إلى تحقيق عالم آمن أكثر . أما اتفاق باريس بشأن المناخ، المؤرّخ في 12 كانون الأول/ديسمبر، فقد استهل حركية لا رجعة فيها نحو التنمية الخفيضة الكربون، وسيسهم في الحد بشدة من أخطار النزاعات المرتبطة بتغيّر المناخ.
عام 2016 هو عام حاسم للاتحاد الأوروبي
سيكون عام 2016 عاما حاسما للاتحاد الأوروبي (...)، فالجانب الأول الذي يعني أوروبا برمتها هو تدفق النساء والرجال والأطفال الفارّين من فظائع الحرب. ويجب أن تكون إجابتنا التضامن مع اللاجئين والبلدان الأوروبية التي بذلت جهدا ملحوظا لاستقبالهم؛ وعلينا أن نتصرف بمسؤولية عند تنفيذ القرارات المتخذة والقرارات التي علينا اتخاذها، مما يعني أنه يجب على كل دولة عضو في الاتحاد تنفيذ القرار الذي اتخذته دول الاتحاد الثماني والعشرون فيما يخص توزيع استقبال اللاجئين بين مختلف البلدان فعلا. وهذا يعني أيضا أنه يجب تعزيز المراقبة على الحدود الخارجية للاتحاد - ولا سيّما من خلال الوكالة الأوروبية لإدارة التعاون التنفيذي على الحدود الخارجية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (فرونتكس)، بغية القيام بعمليات التحقّق الأمني الضرورية ومنع دخول الأفراد الذين يمثلون خطرا محتملا. (...) وفيما وراء الحدود الأوروبية، على الاتحاد الأوروبي وجميع الدول الأعضاء الاستمرار في توفير الدعم للبلدان التي تستقبل العدد الأكبر من اللاجئين - وأقصد بوجه خاص لبنان والأردن وتركيا.
مكافحة الإرهاب
ستبقى مكافحة الإرهاب وخصوصا محاربة تنظيم داعش في صلب أنشطتنا الدبلوماسية والعسكرية. وتُعتبر التعبئة الدولية شرط النجاح في هذه المعركة الطويلة الأمد والشاقّة. (…)
وتمرّ مكافحة الإرهاب هذه عبر العمل الحازم في أفريقيا، وقد تحملت فرنسا، ممثَلة برئيسها، مسؤولياتها وستتحملها في المستقبل أيضا. فالجميع يذكر أننا تدخلنا في مالي قبل ثلاث سنوات، في كانون الثاني/يناير 2013، من أجل منع سقوط البلاد في قبضة الإرهابيين تحديدا، وقد كنا قاب قوسين أو أدنى من فوات الأوان. وقد وسّعنا نطاق هذا التدخل على الصعيد السياسي من خلال توفير الدعم للمؤسسات الديمقراطية، ثم عبر إبرام اتفاق سلام وقّعت عليه السلطات المالية والمجموعات المسلحة غير الإرهابية في شمال مالي وتنفيذ هذا الاتفاق، وعلى الصعيد العسكري من خلال شن عملية برخان في جميع أنحاء منطقة الساحل جنوب الصحراء الكبرى. كما تدخلنا بفعالية في جمهورية أفريقيا الوسطى في كانون الأول/ديسمبر 2012، من أجل تفادي دخول البلاد في أتون الحرب الأهلية، ونحن نواكب اليوم عودة البلاد المتوخاة إلى "الوضع العادي". كما ندعم التعاون بين نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون وبنن لمحاربة جماعة بوكو حرام، وندافع عن تعزيز الدعم الدولي للبلدان المتضرّرة من الإرهاب، والقوة الأفريقية الجاري إقامتها. ويتمثل التحدي في تمكين الأفارقة من حيازة القدرات الذاتية الكفيلة بضمان أمنهم.
العمل من أجل حل الأزمة السورية
تمرّ أيضا مكافحة الإرهاب - الرامية إلى إرساء السلام والأمن دائما - عبر حل الأزمة السورية. فقد قتل مائتان وستون ألف شخص وأصبح ملايين الأشخاص لاجئين أو نزحوا، والحالة الإنسانية مأساوية، وخصوصا في المدن المحاصرة، وإننا نعلم جميعا بأن الحل لهذه المأساة هو سياسي، وهذا هو موقف فرنسا الثابت. إننا نرغب في أن تبدأ المفاوضات السورية، التي تُعتبر بصيص أمل، وأن تُعقد فعلا، مما يعني وجوب تحسين الوضع الإنساني بصورة ملحّة، أي ضمان وصول المساعدات الإنسانية، ووقف الهجمات العشوائية على المدنيين، ورفع الحصار فورا وفعلا. وترغب فرنسا في أن تتناول هذه المباحثات مسألة هيئة الحكم الانتقالي، وأن يكون الهدف واضحا وهو أن تكون عملية الانتقال السياسي عملية موثوقة، ونحن نعتبر أن السيد بشّار الأسد لا يمكنه أن يفي بهذا الغرض. كما أننا ندعم الجهود التي يبذلها المبعوث الخاص للأمم المتحدة السيد ستافان دي ميستورا في هذا الشأن.
تفادي تحول ليببا إلى ملاذ لتنظيم داعش
بخصوص ليبيا، يعتبر التحدي حاسما أيضا للأمن الدولي، وعلينا أن نبذل قصارى جهدنا من أجل تفادي تحول البلاد إلى ملاذ لتنظيم داعش. ويحب أن تسفر العملية السياسية الجارية حاليا عن إقامة حكومة وفاق وطني بصورة ملحّة، وعلى المجتمع الدولي أن يتجند بفعالية أكبر لدعم جهود الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة السيد مارتن كوبلر. وستستمر فرنسا في القيام بدورها، إذ لا بد من التصرف من أجل ليبيا ليس لإرساء الاستقرار في المنطقة فحسب، بل أيضا من أجل تحقيق أمن أوروبا، وهذا أمر ملحّ.
إحراز التقدم نحو التسوية النهائية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني
هذه الأزمات الملحّة لم تنسنا الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المأساوي واللا متناهي. فقد حان الوقت حقا ليحرز المجتمع الدولي تقدما بصورة حاسمة الآن نحو التسوية النهائية للصراع، مع التأكيد دائما أن أمن إسرائيل يمثّل ضرورة مطلقة لن تساوم فرنسا فيها، وأنه من حق الشعب الإسرائيلي العيش بأمن وسلام، وعلينا أن نبذل كل ما في وسعنا من أجل ضمان هذا الحق الأساسي. لكن من المستحيل تحقيق السلام بدون العدل، والوضع الحالي الذي يعيشه الفلسطينيون الذين ليست لديهم دولة هو مجحف بجوهره. لقد قلت أمام الجمعية الوطنية في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، متحدثا باسم الحكومة، إنه لا سبيل لتسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني نهائيا وإرساء السلام الدائم في الشرق الأدنى إلا بتعايش الدولتين السياديتين والمستقلتين، وإنه إذا استمر الطريق المسدود في هذه المسيرة فستعترف فرنسا بالدولة الفلسطينية. كما أضفت أن هذا الاعتراف ليس منّة ولا امتيازا، بل إنه حق. وأؤكد لكم أن فرنسا لن تتخلى عن مطلب الأمن لإسرائيل ولا عن الحق للفلسطينيين.
وقد تصرفت فرنسا في الأشهر الماضية من أجل تحقيق هذه الغاية - وكانت وحيدة في مساعيها في معظم الأحيان. فلم نتوقف عن ترويج فكرة تغيير المنهجية من أجل الخروج من المواجهة المنفردة بين الإسرائيليين والفلسطينيين التي لم تتح تحقيق السلام. وقد اتخذنا عدة مبادرات في عام 2015 سعيا إلى إحراز التقدم، فقد ذهبت بنفسي إلى الشرق الأدنى لأحاول إقناع الطرفين باستئناف مسيرة المفاوضات. وأحلنا إلى مجلس الأمن مشروع قرار يحدّد مقوّمات تسوية الأزمة والجدول الزمني للتسوية. كما قمنا في أيلول/سبتمبر بتعبئة جهات أخرى أيضا غير المجموعة الرباعية، أي الجهات الفاعلة العربية الأساسية والشركاء الأوروبيين في إطار مجموعة الدعم الدولية، التي التأمت إبّان الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وعلى الرغم من العوائق والصعوبة الهائلة، أقول لكم هذا المساء إن فرنسا لن تستسلم. إننا نسجّل للأسف استمرار الاستيطان وقد بلغ الأمر برئيس الوزراء الإسرائيلي حديثا أن أنّب الأمين العام للأمم المتحدة على تشجيع الإرهاب لأنه ذكّر بعدم شرعية الاستيطان وطالب بوقفه. علينا أن لا نسمح بانهيار حل الدولتين، فهذه مسؤوليتنا بصفتنا عضوا دائما في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وبوصفنا قوة سلام. لذا ستستهل فرنسا خطوات في الأسابيع المقبلة بغية التحضير لمؤتمر دولي يجتمع فيه الشركاء الرئيسون للطرفين - ولا سيّما الأمريكيون والأوروبيون والعرب - من أجل صون حل الدولتين وتحقيقه فعلا إذا أمكن.
وقد يقول البعض إننا نحاول منذ مدة طويلة وإن هذا الأمر عسير للغاية حقا، وماذا سيحصل لو باءت هذه المحاولة الأخيرة للتوصل إلى حل عبر التفاوض بالفشل؟ وإجابتي هي أن علينا أن نفي بما قلته في نهاية عام 2014 باسم الحكومة على منبر الجمعية الوطنية: في هذه الحالة علينا أن نتحمل مسؤولياتنا عبر الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

نشر في 02/02/2016

أعلى الصفحة