أسبوع السفراء - الكلمة الختامية لوزير الشؤون الخارجية والتنمية الدولية السيد جان مارك إيرولت (باريس،2016.09.02) [fr]

السيدات والسادة الوزراء،
السادة النوّاب،
سيادة الأمين العام،
السيدات والسادة السفيرات والسفراء،
أيها السيدات والسادة،

أود أن استخلص معكم العبر الرئيسة من دورة أسبوع السفراء لعام 2016 التي وصلت إلى نهايتها. وأرجو أن تكونوا قد استبنتم من مناقشاتنا الغزيرة والمثرية ما يلزمكم لتتمكنوا من نشر رسالة فرنسا الصافية الذهن بشأن وضع العالم، والمستنفرة سعيا إلى إيجاد الإجابات على التحديات الجسيمة الماثلة أمامها. وأود أن أتقدم بالشكر للأشخاص الذين قاموا على تنظيم هذا الأسبوع، بدءا بالأمين العام للوزارة كريستيان ماسي، وإرفي دوجون دو لا باتي، وجميع أفراد فريق عمله، وجميع فرق العمل الأخرى.

عندما عهد رئيس الجمهورية إلي في شباط/فبراير الماضي بمهمة إدارة دبلوماسيتنا، كنت أدرك تماما صعوبة الظرف الذي نعيشه. وقد حمل عام 2016 حصته من المآسي وعرّض بلدنا لنتائج الإرهاب الساحقة. وبالطبع، إن ذكرى جميع الضحايا حاضرة في أذهاننا، كما هي حاضرة في أذهانكم، ونفكر في جميع أفراد أسرهم الذين تسكن هذه المأساة في قلوبهم وأحيانا في أجسادهم. وأكد العام المنصرم أوجه الاختلال العارمة في العالم التي ذكّت الأزمات، ولن أتطرق إلى جميع هذه الأزمات، فقد استعرض رئيس الجمهورية كيفية مقاربة فرنسا لها.

وما نسجّله بوضوح هو تنوع هذه الأزمات وأسبابها الجذرية. فجذور بعض هذه الأزمات موجودة في المجتمعات نفسها وفي الأنظمة السياسية للدول، وبعضها الآخر هو نتيجة الاضطرابات الاجتماعية الحاصلة على خلفية المصاعب الاقتصادية وعمليات التكييف الفظّة التي تنجم عنها، مما يؤدي إلى القلق الشديد من تراجع مستوى المعيشة. كما تقلب العولمة الأطر التقليدية رأسا على عقب وتؤجّج أوجه التوتر المرتبطة بالهوية. وتزدهر النزعات الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الأماكن من هذه الأوضاع، وتضع ديمقراطياتنا التمثيلية على المحك. وتبزغ المواجهات الجغرافية-السياسية التقليدية مجددا، وتولّد أوهاما تقوم على الحنين للقوة المستعادة. غير أن علاقات القوة قد تغيرت تغيرا جذريا، بفعل وهن الدول وبزوغ الجهات الفاعلة، التي تحاول قلب النظم الإقليمية - كما هو الحال فيما يخص جماعة بوكو حرام - أو أن تمثّل خطرا على الصعيد العالمي، مثلما يفعل تنظيم داعش. وعلى فكرة، يوفّر انتشار التقانات وسائل أنجع لهذه الجهات.

إن اختلاط علاقات القوة يؤدي إلى الارتباك وتبديد معالم الطريق. فتنامي قوة البلدان الناشئة لا يتطور على نحو خطي كما كنا نتوقع قبل بضع سنوات، ولا تعبئ الفراغ الذي يتركه غياب الولايات المتحدة الأمريكية، ولا سيّما في الشرق الأوسط.

وتصبح النقاط التي نرتكز عليها أضعف، مما يسهم في زعزعة الاستقرار في العالم وتراجع القدرة على التنبؤ. ويعاني تأثير أوروبا في استقطاب الدول واندماجها من شكوك الأوروبيين بحد ذاتهم، فبلدان مجموعة بريكس التي يمر بعضها في أزمة، لا تنجح في بناء وحدتها حقا. وفي الولايات المتحدة الأمريكية يقترح أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية إجراء قطيعة جذرية، تثير قلق العالم بأسره.

وفقدت القواعد والمؤسسات التي يرتكز عليها النظام العالمي من قوتها إذ تعرّضت للاحتجاج عليها على نحو غير مسبوق. ولا تؤدي آليات تحقيق الأمن الجماعي دورها في الحماية كما ينبغي، كما هو الحال المأساوي في سورية. ويتعرض الطابع العالمي لحقوق الإنسان للتشكيك، إذ تعزّز النزعات الشعبوية الانحراف نحو الأنظمة الاستبدادية، وحتى أنظمة الحاكم الواحد، واستمداد الشرعية من هبّات التأييد الشعبية، مما لا يترك سوى حيز ضيق للسلطة المضادة. وتروّج مفهوما مطلقا للسيادة.

وختاما، يزخر عالمنا بأوجه التباين. فانتهاج النموذج الاقتصادي الذي يفضّل زيادة عائدات رأس المال على العائدات من العمل، في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، يفاقم أوجه التباين بين البشر. وإذ يقترن هذا النهج بالثورة الرقمية التي لا تحدث إلا القليل من الوظائف، يُثقل هذا التغير كاهل الطبقات الوسطى والطبقات الأدنى، فيستغويها التطرف.

وفي البلدان الناشئة، يكبح تباطؤ النمو الاقتصادي عملية التحديث السياسي والتحول الاجتماعي. وفي حين لا يزال التحديان المتمثلان في أوجه التباين والفقر ماثلين أمام أفريقيا، فهي تواجه نموذجا اقتصاديا لا يزال يعتمد أكثر من اللازم على تصدير المواد الأولية. وهذه العناصر جميعها هي التي ترسم معالم العالم الذي يسوده عدم اليقين، ولا مجال لتثبيط العزيمة أمام عدم اليقين. ولا مجال للاستسلام، فهذه هي قوة فرنسا في الأوضاع الصعبة، أنها لا تستسلم. وأنتم تعلمون أن هذا هو السبب تحديدا الذي يجعل من بلدنا بلدا ذا مكانة مرموقة ويحظى بالاحترام. ولئن كانت فرنسا تتضامن مع العالم، فعندما تطعنها وحشية الإرهاب البغيضة في صميمها، تعلو موجة عارمة من التضامن العالمي معها.

تتمثل مهمتكم أيها السيدات والسادة في الوفاء بالتزام بلدنا بالسلام، والوفاء بالتزام بلدنا ببناء عالم أكثر عدلا وتضامنا، يوفّر الفرصة لجميع الشعوب للسير على درب التنمية المستدامة، والوفاء بالتزام بلدنا بالقيم العالمية للحرية، التي على الرغم من فهمها بصورة متفاوتة، لم تفقد ذرة من معناها. هذه هي الروح التي تلقيتم بها التوجّهات لتعزيز عملنا للنهوض بحقوق الإنسان الذي لا يتضارب البتة مع الدفاع عن مصالحنا، حتى مصالحنا الاقتصادية.

إنني على قناعة بأن هويتنا مرتبطة ارتباطا عميقا بالقيم التي أسفر عنها عصر التنوير، والتي هي أيضا قيم جمهوريتنا. وقد اعتمد العديدون في العالم الكلمات الثلاث التي تؤلف شعارنا الوطني، أي الحرية والمساواة والإخاء، والتي تمثّل وعدا بالتقدم للشعوب. وسنبدي روح المسؤولية في مناقشاتنا الداخلية، وحذار أن نغفل هذا الأمر. وكان البعض منكم شاهدا على الوقع المدمر في الخارج للتجاذبات التي تحصل أحيانا في حياتنا السياسية. ومن الملحّ أن نستعيد بعض الهدوء، لذا أدعو إلى التعقل ورقي السلوك، فهذا ما سيمكننا من العودة إلى الأمور الجوهرية وخوض مناقشة الأفكار. إذ إن الخطر المتمثل في حظر الأفكار هو خطر نشر الأفكار النمطية ومن ثم نبذ الآخر. ليست هذه شيم فرنسا، وعندما تنبذ فرنسا شيئا فهي لا تسوي أية مشكلة، ولا سيّما مشكلة الاندماج، ولا تكون منسجمة مع نفسها.

السيدات السفيرات والسادة السفراء،

قلت للتو إن قيمنا هي طوق النجاة في عالم يسوده عدم اليقين، فهي مصدر قوتنا وهي تحثنا على السعي إلى تحقيق هدف سام، هو أوروبا.

لقد واجهت أوروبا في الأعوام الماضية، بحسب تعبير جان-كلود جونكر، "أزمة متعددة الأوجه" وضعتها على المحك، أي الأزمة المالية، والأزمة الاقتصادية، والأزمة الأمنية، وأزمة اللاجئين، والأزمة الإنسانية. واستطاعت كل مرة إيجاد الإجابات الملائمة، مع أنه، وبسبب انعقاد مؤتمرات القمة الطارئة، كانت السيرورة تحجب النتيجة.

كما تحسنت قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ القرارات تحسنا ملحوظا، فمن كان يراهن على إبرام اتفاق في غضون ستة أشهر من أجل إقامة هيئة أوروبية لحرس الحدود التي طُرحت، ولا سيما من طرف فرنسا، قبل عشر سنوات؟

غير أنه ما زال الطريق أمامنا طويلا، فيجب أن يكون تطبيق هذا الاتفاق أولوية سياسية، لأن ما عانت منه أوروبا مدة طويلة هو عدم تطبيق القرارات عمليا، مما يعطي انطباعا بالعجز الجماعي. ومن غير المثير للدهشة أن ثقة الشعوب بأوروبا تضعضعت على مر الزمن.

وقد بيّن الاستفتاء البريطاني مدى ضعضعة هذه الثقة، فقرار الشعب البريطاني هو قرار خطير، وفرنسا التي تربطها بالمملكة المتحدة صداقة تاريخية كانت تفضل مواصلة بناء الوحدة الأوروبية معها، لكن الشعب البريطاني حسم أمره ويجب احترام قراره. لا يوجد ما هو أسوأ لأوروبا وديمقراطياتنا من استمرار عدم اليقين، لذا ينبغي للسلطات البريطانية أن تستخلص العبر من نتائج هذا الاستفتاء، من خلال تفعيل الإجراء المنصوص عليه في المعاهدة من أجل ترتيب خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي على نحو منظم.

وبهذه الطريقة، عبر الوضوح والاحترام المتبادل، تتجاوز أوروبا هذه المحنة التي تثقل كاهل المملكة المتحدة في المقام الأول. وبطبيعة الحال من الجدير أن نفحص بدقة، في هذا الترتيب الجديد، كيفية الحفاظ على مساهمة بلدينا في صون مكانة أوروبا ودورها في العالم، وفرنسا تستعد للقيام بهذا العمل.

وعلى نفس المنوال، كما قلت للسفراء الألمان في برلين يوم الاثنين الماضي، لا أعتقد أن تحليلنا لوضع الاتحاد الأوروبي يجب أن يتأثّر كثيرا بنتائج الاستفتاء البريطاني، أولا لأن أسباب هذه النتائج تعود إلى حد بعيد إلى العوامل الخاصة بالمملكة المتحدة، ولا سيما سياستها الداخلية. وثانيا لأنه، خلافا للتوقعات، لم يترافق هذا القرار برفض فكرة أوروبا، بل على العكس من ذلك فهي جعلت العديد من الأوروبيين يدركون تمسكهم الجذري بأوروبا. لذا تخطئ أوروبا عندما تعطي تأثير انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أكثر من شأنه، ومن مصلحتها أن تحافظ على التمسك بمبادئها بصرامة، وأن تستعيد الرغبة في تحقيق طموح مشترك. ويتمثل التحدي الرئيس لأوروبا في أن يصبح الاتحاد الأوروبي مع 27 عضوا أقوى من الاتحاد مع 28 عضوا ناقص واحد.

وقد برّرت ضرورة اتخاذ خطوة عازمة، حتى قبل الاستفتاء البريطاني، أن أقوم مع زميلي الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، بإعداد مساهمة بشأن إنعاش المشروع الأوروبي، وهذا هو تحديدا الهدف من المناقشة التي استهللتها والتي سيجري على إثرها اعتماد التوجّهات الواضحة إبّان مؤتمر القمة في براتيسلافا، الذي سيعقد في 16 أيلول/سبتمبر المقبل، وإننا نعمل على هذا الموضوع أيضا. وقد ذكّر رئيس الجمهورية بأهدافنا، وهي: حماية الحدود الخارجية لأوروبا، ومراقبة الأراضي الأوروبية من الأخطار المحدقة بها، وإعطاء زخم جديد للدفاع الأوروبي، ومضاعفة معدل الاستثمار وفق خطة جونكر لنموذج النمو الاقتصادي القائم على الاستثمار في صناعات الغد مرتين، وتعزيز العدالة الاجتماعية والإنصاف الضريبي، وتوسيع نطاق برامج تنقل الشباب وعمالتهم.

وستلبي أوروبا تطلعات المواطنين وتستعيد ثقتهم من خلال التركيز على هذه الأولويات. وبهذه الطريقة سيدرك الأوروبيون بكامل الوعي أن الاندماج في قارتنا هو تجربة تاريخية فريدة من نوعها في العالم والتي ما تزال توفّر السلام والازدهار لبلدانها.

ولدي قناعة راسخة بأن التغيرات في العالم، والخطر الإرهابي، والخوف من الانحطاط، تستدعي بناء أوروبا التي تحمي مواطنيها. وأعرف أن هذا الشعار ليس جديدا لكنه لا يجب ترديده ترديدا أجوف، ولا تطبيقه من خلال الانطواء على الذات. يجدر بنا في يومنا هذا أن نبيّن أن هذا الشعار يندرج في استمرارية توحيد قارتنا، والأهم من ذلك أن ننتقل إلى الفعل.
فعلى أوروبا أولا أن تحمي مواطنيها من خلال تزودها بالوسائل الكفيلة بتحقيق أمنها، واستعادة السيطرة على حدودها الخارجية، وتقديم الإجابات لاختلال النظام العالمي. ولا يعني هذا أنه يجب إغلاق الحدود وإعادة النظر في اتفاق شنغن، فهذا الاتفاق هو مكتسب تاريخي من مكتسبات بناء أوروبا. ونحن نعلم جيدا أن معركتنا المشتركة ضد الإرهاب تقتضي، على العكس، أن نوطّد تعاوننا مع شركائنا.

رسم الاتحاد الأوروبي لنفسه استراتيجية أمنية شاملة قبل مدة وجيزة، ويتعين علينا تنفيذها من خلال قدراتنا على تنفيذ العمليات، والآليات المحدثة لهذه الغاية، واستثمار الدول الأعضاء في أداتها الدفاعية، وتطوير صناعاتنا. ولكن الأهم من ذلك، نحن بحاجة إلى أوروبا التي لديها الإرادة السياسية لتقديم مساهمتها في تسوية النزاعات التي تمثّل خطرا عليها، وعلى هذا النحو نشيد اتحادا دفاعيا وأمنيا حقيقيا.

وأوروبا التي تحمي مواطنيها هي أيضا أوروبا القادرة على ترويج نموذجها الاجتماعي ومن ثم مصالحها. فمنشآتنا بحاجة إلى قواعد تنبع من الإطار المتعدد الأطراف أو الاتفاقات التجارية تبرم بعد التفاوض مع البلدان الأخرى، من أجل تطوير أنشطتها على الصعيد العالمي. ويجب تعزيز منشآتنا، لكن أوروبا لا تستطيع أن تدفع الثمن لوحدها. لذا لا يمكن تصور شراكة عابرة للأطلسي ما دامت لا تسفر عن توازن حقيقي في التنازلات والندية التامة، وإلا لن تبُرم معاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وتبيّن المعاهدة مع كندا أنه عندما نملك الوسائل الضرورية يصبح إبرام المعاهدة ممكنا.

فتنقل العمال في الاتحاد الأوروبي يمكن ويجب أن يتوافق مع مكافحة الإغراق الاجتماعي، وكما جاء على لسان رئيس الوزراء مانويل فالس، هنا يكمن كل التحدي في المفاوضات الجارية بشأن إعارة العمال. علينا أن نحرز تقدما في جميع هذه المواضيع، أولا مع ألمانيا، لأن بلدينا تمكنا من التعالي على مصالحهما ليتيحا اندماج قارتنا ولأنهما يحافظان على قوتهما الدافعة والمحركة. وثم مع سائر شركائنا، لأن أوروبا بحاجة إلى الوحدة ومن مصلحتنا أن نعزّز حوارنا مع جميع الأوروبيين. ونحن وآرليم ديزير نعوّل عليكم للمساهمة في ذلك، سواء أكنتم في بعثة دبلوماسية في دولة عضو في الاتحاد الأوربي أم في بلد آخر.

إن التزامنا بالسلام هو بوصلتنا في العالم الذي يسوده عدم اليقين. فرنسا هي عضو دائم في مجلس الأمن حيث تسهم من خلال قدرتها على التحدث مع الجميع. هذا هو طبعا الحال فيما يخص أفريقيا الشمالية والشرق الأوسط اللذين يجعل قربهما الجغرافي التشجنات الحاصلة فيهما مسألة وجودية لفرنسا وأوروبا.

ولنواجه الأمور بصدق، فأمن هذه المنطقة هو أمننا، الذي يتعرض للخطر بسبب تنظيم داعش، الذي يزدهر على أرضية انعدام الاستقرار والإحباط. إننا سننتصر في الحرب التي نخوضها ضد تنظيم داعش، الذي أعلن الحرب علينا، ولن ننتصر وحدنا لأننا نشارك في تحالف يضم حلفاء قريبين ومتضامنين. لكن فرنسا مستهدفة على نحو خاص وتدفع ثمنا باهظا إلى هذا الحد لكونها فرنسا، لأنها تجسّد فكرة محدّدة عن التسامح والحوار والعيش المشترك. ولن نتنازل أبدا عن جميع هذه القيم التي تعتبر مصدر فخر لنا والتي تتعارض مع الظلامية الدامية لهذا التنظيم.

وفي حين يتراجع تنظيم داعش ميدانيا، يتمثل التحدي أيضا في استعدادنا للانتصار في السلم. ولن نتمكن من تحقيق هذا النصر بالطرق العسكرية فقط، إنما من خلال السعي إلى التوصل إلى حلول سياسية وبواسطة التفاوض. وينطبق هذا خصوصا على قضايا سورية وليبيا وبين إسرائيل وفلسطين كذلك.

لن يسوي السلاح الصراع في سورية، التي دمّرها تنظيم داعش ونظام بشّار الأسد اللذان يتنافسان على ارتكاب الفظائع. ولن يكسب أحد الحرب، ومهما حصل، فبعد خمس سنوات من الأهوال وسقوط أكثر من ثلاثمائة ألف قتيل، لن يتمكن النظام السوري من البقاء بعد هذه المأساة. ولن يتمكن بشّار الأسد من حكم هذا البلد بعدما يحلّ فيه السلام أبدا ، إذ على الرغم من بارقة الأمل التي أثارها إعلان وقف الأعمال القتالية، حبس النظام والجهات المساندة له نفسيهما في دوامة العنف التي تمنع وقف إطلاق النار وتعرقل وصول المساعدة الإنسانية.

وتذكي روسيا وإيران هذا المنطق الذي يؤدي إلى انسداد الأفق. ويضاف إلى الحرب الأهلية الشديدة التعقيد أصلا، جانبا جديدا يتمثل في الأكراد. كما أن التضحيات التي قدمها سكان حلب هي مأساة تستفز الضمائر ويجب وقفها بكل ثمن.

فلنكن منسجمين مع مبادئنا ولنتحلى بالصلابة والعزم.

ويُلزمنا تقرير الأمم المتحدة بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في وضع كل جهة أمام مسؤولياتها والعودة إلى الحل السياسي. فلنعطي فرصة للسلام، إذ هذا هو المعنى الذي تودّ فرنسا أن تعطيه لجهودها في مجلس الأمن. وما نرغب فيه هو إدانة هذه الجرائم إدانة واضحة في إطار قرار يصدر تحت الفصل السابع ويفرض جزاءات على مرتكبيها.

أما في ليبيا فالخطر الإرهابي وانتشار الاتجار غير المشروع يمثّلان أيضا تحديات ملحّة. فعلى الرغم من التشكك، قامت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السرّاج، الذي أشيد مجددا بشجاعته.

ويتطلب اجتثاث تنظيم داعش منه أن تبسط الحكومة سيطرتها على جميع المؤسسات والأراضي الليبية. لكن عليه أيضا أن يتوصل إلى حل وسط مع مجلس النواب في طبرق واللواء خليفة حفتر. وفرنسا مستعدة لدعم جهوده، ولا سيّما بالاتصال مع القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر.

أما في الشرق الأوسط، فيعتقد البعض أن الوضع بين إسرائيل وفلسطين، الذي لا ينفك يتدهور يوما بعد يوم، ليس أولوية في الوقت الراهن؛ لكن هذا خطأ لأنه لا سبيل لإرساء السلام في المنطقة بدون تسوية الصراع الذي يذكي العنف والدعاية التي يروجها المتطرفون من مختلف الأطياف. وواجب علينا عدم الاستسلام في هذه القضية، لذا كان علينا اتخاذ المبادرة، وبيّن حضور زهاء ثلاثين شريكا من شركائنا في باريس، في 3 حزيران/يونيو الماضي، أننا على حق. صحيح أن الطريق ما يزال طويلا، لكن الأصعب هو أن نجمع الإسرائيليين والفلسطينيين على نفس الطاولة، وهو ما لم نفعله بعد. لكن فرنسا نجحت فعلا في إعادة وضع عملية السلام على جدول الأعمال، كما نجحت، بفعل الجهود التي بذلتها، في إعادة حشد المجتمع الدولي، وتشهد على ذلك مبادرات بعض الشركاء التي مع أنها متواضعة لكنها حقيقية، مثل مبادرات الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وروسيا. لن تستلم فرنسا وستبذل كل ما في وسعها من أجل بلوغ هدفها المتمثل في عقد مؤتمر مع الطرفين بحلول نهاية العام.

وأكرر القول لأصدقائنا الإسرائيليين والفلسطينيين إنه إذا كنتم تعتقدون حقا أن حل الدولتين هو الحل الوحيد الممكن، فتجرأوا على تنفيذه، واقدموا على مخاطرة إحلال السلام. إن هذا الخيار صعب ويتطلب تقديم تنازلات مؤلمة، لكن ليس هناك بديل، وستساندكم فرنسا والمجتمع الدولي.

ثمة العديد من الأزمات التي يمكن تناولها، ولا سيّما الاضطرابات في شرق أوكرانيا التي تسعى ألمانيا وفرنسا إلى تبديدها في إطار صيغة نورماندي. وفي هذا الصدد، يجب احترام اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بمناسبة بداية العام الدراسي، والذي يمكن أن يكون أساسا لإحراز التقدم في تطبيق الشق السياسي من اتفاق مينسك.

أما في حوض دونيتس وغيره من المناطق، فقدرتنا على إقامة الحوار مع الروس على المحك، وتعتبر فرنسا روسيا شريكا وبلدا عظيما يطمح إلى الاضطلاع بدوره في الساحة الدولية وهو أمر مشروع. وتتمثّل مصلحتنا في مضافرة جهودنا، وعندما يتعذر ذلك، علينا أن لا نتردد في تحمل مسؤولية الاختلافات بيننا من أجل العمل بصورة أفضل على تقريب وجهات نظرنا. وليس هناك سبيل آخر، خصوصا إذا كنا نريد التوصل إلى حل في سورية. بيد أن علينا أن ندرك أن إعلان التحالف مع روسيا ليس كافيا بحد ذاته لحدوث المعجزات. كما أن رفع الجزاءات، الذي نرغب فيه، لا يمكن أن ينجم إلا عن تنفيذ الالتزامات التي قطعتها روسيا في إطار اتفاقات مينسك.

وأرجو أن نستمر في الشراكات الكبرى التي نسجناها في غضون بضع سنوات في القارتين الآسيوية والأمريكية. فمع مراعاة مصالح فرنسا الطويلة الأجل، قد يبدو أن نشوء القوى الاقتصادية والسياسية في هذه المناطق ملجوما بفعل تباطؤ النمو الاقتصادي وبطء حدوث التغيرات في مجالي الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنني أبقى مقتنعا أن الفرص الاقتصادية والدور السياسي التي يتوخى اضطلاع آسيا وأمريكا اللاتينية بها على الصعيد العالمي تسوّغ استمرارنا في بناء الشراكات المتينة البعيدة الأمد في هاتين المنطقتين.

وأخيرا، أود التحدث قليلا عن أفريقيا، التي تعتبر أرض النمو والابتكار والصعود إلى الطبقات الوسطى في آن معا، لكنها عادة ما تتأثر سلبا بوضع النمو السكاني الذي يزعزع الاقتصاد والمجتمع فيها، فضلا عن ضعف الدول المزمن. كما تستغل الجماعات الإرهابية في هذه القارة هذا الوضع، في حوض بحيرة تشاد ومنطقتي الساحل والقرن الأفريقي. وقد تحملت فرنسا مسؤولياتها في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما في عدة بلدان أخرى، كما هو الحال في بوروندي من خلال أداء دورها الكامل في مجلس الأمن.

وقد بدأت جهودنا للإقناع بأنه لا يمكن تحقيق التنمية بدون إرساء الأمن تؤتي ثمارها، وخصوصا على مستوى الاتحاد الأوروبي. لكنني، فيما وراء ذلك، مقتنع بأن مصيري أفريقيا وأوروبا مرتبطان أحدهما بالآخر ارتباطا وثيقا، فأوروبا لن تحقّق النجاح إذا فشلت أفريقيا. لذا من الضروري مواكبة شركائنا الأفريقيين في تحقيق تطلعاتهم على أرض الواقع، أي التطلع إلى الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان؛ والتطلع إلى اللحاق بالركب الاقتصادي وإحداث الفرص التي تثني شبابهم عن سلوك طرق الهجرة؛ والتطلع إلى الاستفادة من العولمة، وإجمالا انطلاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وهنا تكمن كل أهمية إنعاش سياستنا الإنمائية. ويمثّل النجاح التاريخي الذي حقّقه مؤتمر القمة بشأن أهداف التنمية المستدامة والدورة الحادية والعشرون لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، الأساس الذي ترتكز عليه هذه السياسة. وقد سعت دبلوماسيتنا إلى تحقيق هذا النجاح من خلال إعطاء أفضل ما عندها، وعليها أن تبقى على استنفار تام بهذا الصدد. وأعرب رئيس الجمهورية في العام الماضي عن رغبته في زيادة ميزانية أنشطة الوكالة الفرنسية للتنمية بأربعة مليارات يورو إضافية سنويا بحلول عام 2020، مع تخصيص نصف هذا المبلغ للأنشطة المتعلقة بالمناخ. وبموازاة ذلك، قرّر من أجل تجسيد أولويتنا لمساعدة السكان الأضعف، تخصيص أربعمائة مليون يورو إضافية سنويا لنفس الفترة بصيغة منح.

ويسرنا، نحن وأندري فاليني، أن نؤكد بدء تنفيذ هذه التعهدات، وذلك بفضل عملية الإصلاح في الوكالة الفرنسية للتنمية التي يقودها بنشاط مديرها العام الجديد، وأيضا بفضل الاعتمادات الإضافية بقيمة 85 مليون يورو التي أضيفت لميزانية مساعدتنا الرسمية، والتي حصلت عليها في إطار مشروع قانون المالية لعام 2017. يبدو لي أن هذه التغيرات تسوّغ تماما، كما أعلن رئيس الجمهورية، عقد اجتماع جديد للجنة المشتركة بين الوزارات المعنية بالتعاون الدولي والتنمية.

السيدات السفيرات والسادة السفراء،

إن التغيرات الجارية في العالم والتحديات المترتبة عليها لدبلوماسيتنا تؤثّر تأثيرا مباشرا في النساء والرجال الذي يتولونها. وهي تتجلى في التحول الحاصل في مهن الدبلوماسية، وتستوجب حشد قدرات جديدة، وتتطلب التزاما لا يفتأ يتجدّد. وأعرف، وأنتم تلحظون هذا يوميا، في اتصالاتكم سواء بمقر الوزارة أو بشبكتها، أن هذا الالتزام هو التزام مشترك بين جميع الموظفين في وزارتنا الذين يؤدون عملهم بإخلاص ومهنية وشغف.

وأجرت الوزارة تعديلات جذرية في السنوات الماضية من أجل التكيف مع التحديات الجديدة، وتحديث المرافق العامة، والإسهام في الجهود المبذولة لتقليص النفقات العامة. وقد تم على سبيل المثال تنفيذ أكثر من نصف التدابير التي تم تحديدها في إطار مشروع "وزارة الشؤون الخارجية والتنمية الدولية في القرن الحادي والعشرين"، تحت إشراف الأمين العام للوزارة. وتمت عمليات الإصلاح في وكالاتنا التنفيذية من أجل تحقيق قدر أكبر من الاتساق وتحسين الفعالية. وسيجري التذكير بالأهمية القصوى للوضوح بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة لشراكة الحكومات المستنيرة، الذي ستستضيفه فرنسا في نهاية العام.

وستخرج الوزارة معزّزة بعد إجراء جميع عمليات الإصلاح هذه. وقد مكننا توسيع مجال عمل الوزارة من حيازة جميع الرافعات الضرورية للعمل الخارجي، وهي أول مرة يتم فيها ذلك. وترمي المقترحات الناجمة عن الكتاب الأبيض من أجل الشراكة مع سلطات الحكم المحلي إلى تعزيز الاتساق في عمل فرنسا الدولي، ليتجاوز الدور المنوط بالحكومة. وما يزيد من شعورنا بالرضى هو أن محاورينا يقرّون بمساهمة هذه التغيرات، خصوصا المنشآت.

وتبقى الدبلوماسية الاقتصادية أولولية من أولوياتنا، وأنتم تدركون ذلك إذ إنكم تخصّصون 40 في المائة من وقتكم في المتوسط لهذا الشأن.

ومثّلت الدورة الثانية من لقائكم مع المنشآت يوم الاثنين مناسبة جديدة لإقامة العلاقات المباشرة مع المنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم، والصغيرة جدا، والمنشآت الوسيطة الحجم، التي أرجو أن تتمخض عن ازدهار الأعمال وإبرام العقود وإحداث فرص العمل.

ومع أن الظرفية الاقتصادية غير مؤاتية، وتتسم بالتباطؤ الاقتصادي عالميا، إلا أن استقرار اليورو وأسعار النفط التي بدأت ترتفع مجددا، تؤدي إلى نهوض تجارتنا الخارجية، ففي حين بلغ العجز في ميزاننا التجاري 75 مليار يورو في عام 2011، تراجع العجز إلى 45 مليار يورو في عام 2015. وهذا التحسن هو نتيجة عمليات الإصلاح التي استُهلت في عام 2012، والتي أتاحت تحسين قدرة الصناعة الفرنسية على التنافس. كما أنه نتيجة الجهود التي بذلناها من أجل تنظيم الفروع الصناعية والقيام بأنشطة عازمة لترويج صادراتنا.

ونرغب، نحن وماتياس فيكل، في أن تقوم وكالة بزنس فرانس في تيسير ولوج المنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم والمنشآت الوسيطة الحجم الأسواق العالمية، من خلال تبسيط الإجراءات، وجعل تدابيرنا للدعم أوضح للفهم، بالاتصال الوثيق مع جميع الجهات الفاعلة، وغرف التجارة والصناعة بوصفها مستشارة للتجارية الخارجية. مما من شأنه مواكبة المزيد من المنشآت في مشاريعها، بغية زيادة عدد المنشآت المصدرة، التي بلغ عددها 000 117 منشأة في عام 2011، ثم 000 125 منشأة في عام 2015. وإنني أعوّل عليكم من أجل مواصلة كل ما استهللناه بحماسة.

إذا عانى أحد قطاعاتنا الاقتصادية من الاعتداءات فهو، كما نعلم جميعا، قطاع السياحة، فبعدما تم تجاوز الهدف المتمثل في 85 مليون سائح في عام 2015، سيسجّل عام 2016 بلا شك هبوطا في عدد الزوار من الخارج. وهذا التراجع هو أيضا نتيجة اجتماع عدة عوامل، ومنها تدهور الظروف الاقتصادية في عدة بلدان من بلدان منشأ هؤلاء الزوار. لكن هل ينبغي لنا أن نتنازل عن هدفنا المتمثل في استقطاب مائة مليون سائح في السنة بحلول عام 2020؟ إنني مقتنع بعكس ذلك، أولا لأن بلدنا أثبت قدرة نموذجية على المواجهة، ولأن النتائج التي حقّقتها السياحة في المناطق الفرنسية ثابتة إجمالا على الرغم من عملية نيس. ثانيا بسبب بقاء الزبن الفرنسيين والأوروبيين في أغلب الأحيان، وبسبب التقدم الذي أحرزته بعض الأسواق البعيدة، ولأن بعض الأنشطة الاقتصادية حقّقت نجاحا باهرا. لذا فأفضل إجابة نقدمها هي حشد الجهود.

أما في باريس، فمن أجل التصدي للوضع المقلق، أقمت لجنة طوارئ اقتصادية من أجل السياحة، التي سأعقد اجتماعا جديدا لها في الأيام المقبلة. وقد استهللت مع بلدية باريس ومجلس منطقة إيل دي فرانس حملة ترويجية لوجهة باريس السياحية، التي تم توسيع نطاقها على غيرها من المناطق وتزويدها بوسائل إضافية. وسيتواصل عملنا الطموح من أجل تحسين تنظيم هذا الفرع الاقتصادي لما بعد الحالة الطارئة وبمناسبة انعقاد الدورة الثانية لمؤتمر السياحة السنوي الذي سأترأسه في الخريف، بمشاركة المهنيين في هذا المجال.

وأنتم تضطلعون بدور أساسي بالطبع، فشبكتكم تعطيكم القدرة - مع وكالة تطوير السياحة في فرنسا (أتو فرانس) - على تجنب انتشار صورة مشوّهة عن واقع بلدنا في الخارج. وإنني أعوّل على حيويتكم وحماستكم. كما يعتبر التزام فرنسا بالتصدي للتحديات الكبرى الماثلة أمام الحضارة أمرا أساسيا في عالم يواجه التعصب والعنف. وتحدث رئيس الجمهورية عن المؤتمر الدولي في أبو ظبي بشأن حماية التراث المعرّض للخطر، الذي ساهمتهم في نجاحه.

وتشجّع دبلوماسية التأثير الفرنسية في عملها اليومي الحوار بين الثقافات، فقد تطورت أيضا أنشطتنا الثقافية الخارجية تطورا ملحوظا، وخصوصا في السنوات الماضية. ونظرا للمنافسة القائمة في هذا المجال، صغنا نهجا شاملا ومتكاملا ضمن رؤية جديدة متواصلة بين التحديات الثقافية والعلمية والاقتصادية. وقد تم توسيع نطاق مهام دوائرنا ومعاهدنا لتشمل تصدير انتاجنا الإبداعي، وفن الأكل، والدبلوماسية الرياضية، واستقطاب الطلاب الأجانب مع وكالة كامبوس فرانس. هنا أيضا يتمثّل دوركم، على غرار قائد الفرقة الموسيقية، في حشد أدوات التأثير التي بحوزتنا والتي هي جزء من جميع رافعات أنشطتنا الخارجية.

وأرغب، في هذه الشبكة الثقافية المدهشة التي أضم إليها المدارس التابعة لوكالة التعليم الفرنسي في الخارج، في مواصلة ترويج قيمنا للتسامح والإنسانية والانفتاح بدون هوادة. وينسجم نجاح المبادرات العديدة التي بادرت إليها شبكتنا والوزارة في باريس، من أجل تشجيع مناقشة الأفكار، مع حيوية الحوار الفكري الدولي. لذا أدعوكم إلى استقبال المفكرين والباحثين والفنانين والمواطنين الملتزمين، الفرنسيين والفرنكوفونيين، في جميع أنحاء العالم، إلى المشاركة في الدورة الثانية من "ليلة الأفكار" التي سيتولى المعهد الفرنسي تنسيقها في 26 كانون الثاني/يناير المقبل. إن الثقافة أساسية لتأثير فرنسا وإشعاعها، وبوسعكم التعويل على التزامي التام بتعزيزها.

ويخدم أيضا التشديد على الثقافة قضية مكافحة التطرف، ويتعين على الوزارة الإسهام في ذلك وهو الغاية من الاستراتيجية الوطنية التي عرضناها للتو، والتي يجب تنفيذها الآن. وبوسعنا الإشادة بالوظيفة المهمة الذي يؤديها الدبلوماسيون في هذا المجال.

ونظرا إلى غزارة التنسيق الدولي، أرغب في تكليف أحد السفراء بتنسيق الجهود في مجال محاربة الإرهاب وتمثيل فرنسا في الاجتماعات المخصّصة لهذا الموضوع.

ففي كل بلد من بلدان عملكم، من الضروري أن ترفعوا إلينا جميع التجارب التي قد نستلهم الأفكار منها، وفي الاتجاه المعاكس أن تقوموا بشرح أفضل ممارساتنا في تلك البلدان.

السيدات السفيرات والسادة السفراء، أود أن أختتم كلمتي بالحديث عن الوسائل المتاحة لنا.

إنني أدرك الجهود التي تم تحقيقها في هذه الوزارة من أجل الإسهام في تقليص النفقات العامة، وهذا أمر مشروع. وستجري المزيد من التقليصات في عام 2017 لكن بمستوى يتوافق مع تدابير الترشيد المالي، والتحديث، وحسن التدبير التي استهللناها فعلا. وكان هدفي الرئيس فيما يخص التشديد المالي يتمثل في عدم إلغاء وظائف أكثر مما قبلنا إلغاءه في إطار خطة الثلاث سنوات، وقد نجحت في تحقيق هذا الهدف، مما سيمكننا، كما أشار الأمين العام للوزارة، من تجنب حدوث موجة جديدة من تحويل سفاراتنا إلى بعثات للتمثيل الدبلوماسي.

فضلا عن ذلك، نجحت في الحصول على 62 مليون يورو إضافية لتغطية الجوانب الأمنية، التي ستستخدم لتحقيق أمن شبكاتنا في الخارج، ومن ضمنها المدارس، وسلامة الجاليات الفرنسية، ومحاربة الإرهاب. وستُستحدث 67 وظيفة لهذا الغرض.

وهذه أول مرة منذ سنوات عديدة تزيد فيها الاعتمادات التي تتولى إدارة شؤون التعاون في مجالي الأمن والدفاع تدبيرها. كما سيجري تعزيز الوسائل المتاحة لمركز الأزمات والمساندة، الذي تجعله كفاءاته المعروفة جديرا بتوجيه الخلية المشتركة بين الوزارات لمساعدة المتضرّرين، التي يتم تفعيلها في حال وقوع اعتداء. ويبدو لي أن إيلاء الأمن الأولوية أمر مبرَّر، إذ يجب تحويل دائرة الأمن الدبلوماسي إلى إدارة قائمة بحد ذاتها. وأطلب إلى الأمين العام ومديرة الإدارة العامة لشؤون الإدارة والتحديث العمل على تحقيق هذه الغاية بدون تأخير. وإجمالا، وهذه أول مرة منذ عدة سنوات، تؤدي الزيادة في الاعتمادات المخصّصة للأمن والمساعدة الإنمائية الرسمية إلى زيادة ميزانية الوزارة.

السيدات السفيرات والسادة السفراء،

لم يبق لي إلا أن أعرب عن امتناني لكم للعمل الذي تقومون به يوميا، أنتم وفرق عملكم، على جميع الجبهات وفي جميع الظروف المحفوفة بالخطر أحيانا. وإنكم حقيقون بعرفان الأمة.

إن مهامكم لا تفتأ تزداد صعوبة في ظل اختلال النظام في العالم والتعقيد الذي يتسم به. وأفضل طريقة للتعامل مع هذا الوضع هو انتهاج السلوك النموذجي، أولا عبر المتطلبات على المستوى الجماعي، لأن موظفي هذه الوزارة يتوقعون أن تتطور نهج عملنا، وخصوصا من منظور تحسين التوفيق بين الحياة المهنية والحياة الخاصة. وقد أُحرِزت أوجه تقدم عديدة في هذا الصدد، وإنه لمن دواعي سروري وجود 48 سفيرة من بين رؤساء بعثاتنا الدبلوماسية، أي زيادة بمعدل الضعفين مقارنة بخمس سنوات خلت. وعلينا أن نستمر بلا هوادة في مكافحة أنواع التمييز كافة، وكل التقاليد البالية مهما كانت.

والسلوك النموذجي هو أيضا فرض متطلبات ذاتية على أنفسنا لأننا نمثّل فرنسا ونجسّد قيمها. ويجب أن يترافق هذا السلوك بالانفتاح الضروري على المجتمع، مما سيحسّن فهم من نكون وماذا نفعل، فيتمكن مواطنونا من التعرف على العمل الرائع الذي يؤديه موظفو هذه الوزارة يوما بعد يوم، لخدمة مصالح فرنسا. إذ ما يجمعنا هو حبنا لفرنسا، والاعتزاز بكيان بلدنا، وشغف خدمة فرنسا حيثما تجسدونها. تحيا الجمهورية وتحيا فرنسا.

نشر في 08/09/2016

أعلى الصفحة